صورة من الماضي :
المندر :
( من العادات المنقرضة )
بقلم : محمد عبد الله بن عميران
من العادات التي كانت سائدة بين المواطنين في الماضي عادة ( المندر ) ففي شهر ( صفر ) من كل عام وبالذات في آخر يوم أربعاء منه يخرج بعض المواطنين ( خاصة الرجال والصبيان منهم ) إلى المزارع والحقول القريبة , أو يقصدون بعض قبب الأولياء لقضاء نهارهم هناك معتقدين ( اعتقادا خاطئا ) أن ذلك الشهر شهرا منحوسا , وأن في آخر يوم أربعاء منه يشتد ذلك النحس ولذلك يجب عليهم مغادرة بيوتهم حتى لا يصيبهم نحس ذلك اليوم . وقد تلاشى ذلك الاعتقاد الخاطئ اليوم ( بحمد الله ) بعد أن وعى معظم الناس تعاليم دينهم الحنيف .
وكان المواطنين يخرجون في ذلك اليوم على شكل جماعات منذ الصباح الباكر , حيث تقصد كل مجموعة منهم مكانا مناسبا , ويرتب القائمون على ( المندر ) غذاء للمجموعة تذبح فيه ذبيحة أو أكثر , حسب عدد الخارجين , يتم ذبحها في ذلك المكان , ويصحبون معهم أدوات الطبخ ومستلزماته وغيرها من الأشياء الأخرى , ويشارك الشباب من أفراد المجموعة في عملية الطبخ , ويتعاونون في جلب الماء والحطب , بينما يجلس الشيوخ وكبار السن مستمتعين بقضاء الوقت ( تحت أشجار النخيل والعلوب والحومر والبيدان ) في تبادل أطراف الحديث , ويلهو الأطفال بممارسة ألعابهم البريئة في ظلال تلك الأشجار , إلى أن يحين موعد تناول وجبة الغذاء .
وفي العصر , وبعد أخذ قسطا من الراحة يتحرك الجميع للعودة إلى منازلهم في موكب جميل تقام خلاله رقصة ( العدة ) المشهورة , والتي كانت منتشرة بين المواطنين في أغلب مدن وقرى حضرموت , وكان يشارك فيها الشباب والشيوخ معا . فيتحرك الموكب من المزرعة أو الحقل الذي تم فيه ( المندر ) كل عائد على قريته أو مدينته , حيث يخرج المواطنون لاستقبال العائدين في ذلك الموكب الذي يسمونه ( التدخيلة ) , فتخرج النساء وتخرج الفتيات أيضا لمشاهدته , وتطلق بعض النساء الزغاريد لإلهاب حماس الراقصين وإثارة الهمة والنشاط لديهم , فيبدعون عندها في حركاتهم المرحة وقفزاتهم الرشيقة ولعبهم الجميل , حيث يخترق الموكب الشوارع والساحات في جو من البهجة والسرور , وكلما مر ببيت من بيوت أحد الوجهاء أو الأغنياء توقف أمامه فترة من الزمن , لينبري عندها الشعراء ويطلقون ألسنتهم بالمدح والثناء على صاحب البيت بقصائدهم الرائعة وأشعارهم اللطيفة , حيث يستمر الموكب مواصلا طريقه عبر الشوارع والساحات حتى يصل إلى بيت ( مقدم الحافة ) الذي تنتهي بالوصول إليه الرقصة مع اقتراب آذان المغرب , عندها يجلس الجميع أمام البيت لشرب القهوة والشاي , ثم يتفرقون بعد ذلك كل إلى حال سبيله .
إرسال تعليق